عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
359
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
سبعمائة يتيمة من الجوهر ، فأما قضيب الزمرد فإن السلطان أخذه وأحضر صانعا ليقطعه فأبى الصانع قطعه ، فرماه السلطان فانقطع ثلاث قطع ، وفرقه السلطان على نسائه ، وأما طبل القولنج فإنه وقع إلى بعض الأكراد ، فلم يدر ما هو فكسره لأنه ضرب به فحبق « 1 » ، وأما الإبريق فأنفذه السلطان إلى بغداد « 2 » » . وبذلك قضى السلطان صلاح الدين على أول سمات الترف ومظاهره التي كان يتمتع بها البلاط الفاطمي ، وأبدى رغبته في الزهد والانصراف إلى ما هو أكثر أهمية من هذه الأبهة والعظمة الفارغة ، ألا وهو توحيد الوطن العربي ، والوقوف به جبهة واحدة صامدة في وجه الفرنجة الصليبين . فكان كما وصفه أسامة بن منقذ ناصرا للاسلام مجاهدا في سبيله ، قد أعز اللّه به الدين وأذل حزب الكافرين : بك قد أعز اللّه حزب جنوده * وأذل حزب الكفر والطغيان وغضبت للّه الذي أعطاك فضل * الحكم غضبة ثائر حرّان « 3 » وكان لا بد لتحقيق هذه الغاية من أن يتوجه صلاح الدين إلى بلاد الشام ، وكانت ممزقة شر ممزق قبل ظهور زنكي ، مما مكن الفرنجة من اجتياح ساحلها . فقد خلف نور الدين في حكمها ابنه إسماعيل . وهو فتى دون العاشرة ، في حين كان غازي وزنكي الثاني ابنا أخيه مودود في شغل عن الشام بأمور الجزيرة ، ولم يقف في وجه صلاح الدين الا ابن المقدم صاحب دمشق ، وابن الداية صاحب حلب ، « وقد استدعى ابن المقدم صلاح الدين فخف هذا إلى دمشق ودخلها في آخر ربيع الأول عام 570 للهجرة ، وكان أول دخوله إلى دار أبيه « 4 » » ، واجتمع الناس اليه وفرحوا به ، وأنفق في ذلك
--> ( 1 ) الحبق والحباق : الضراط والفعل حبق يحبق حبقا وحباقا ( القاموس المحيط ) . ( 2 ) انظر الروضتين في أخبار الدولتين : أبو شامة : ج 2 ، ص 506 . ( 3 ) « خريدة القصر وجريدة العصر » للعماد الاصفهاني » ص 497 . حران : مثل حرون ، الشديد الصلب الذي لا ينقاد . ( 4 ) النوادر السلطانية لابن شداد : ص 60 .